الرئيسية / أخبار عاجلة / كامل محمود يكتب: ثورة علي بياض
كامل محمود، محرر القسم السياسي بموقع العاصمة الثانية.

كامل محمود يكتب: ثورة علي بياض

بقلم- كامل محمود

قبل قرن تقريبًا، مُنعت الصحافة من تغطية ومتابعة أحداث ثورة 1919، لدرجة أن المناقشات التي دارت بين الوفد المصري والمندوب السامي البريطاني، السير وينجت، والذي عرض خلالها سعد زغلول سفر الوفد إلى لندن لعرض قضية مصر ومطالبها بالاستقلال، وما تلا اللقاء من حملة لجمع توكيلات لأعضاء الوفد، مر على الصحافة مرور الكرام، فلم ينشر عنه خبر واحد في أي جريدة مصرية.

وفي صباح 19 يناير عام 1919 فوجئ قراء جريدة الأهرام، بمساحة بيضاء في صدر الصفحة الأولى، فأدركوا أن الرقابة تدخلت لحذف تغطية الجريدة للأحداث، وتكررت المساحة البيضاء في 27 يناير، حتى صارت المساحات البيضاء دليلًا على تدخل الرقابة لمنع الأخبار والمقالات التي تتناول الثورة وأحداثها.

وإثر الحصار الشديد الذي فرضته سلطة الاحتلال، وتدخل الرقيب بالمنع والمصادرة والحجب، تحولت المنشورات السرية إلى بديل عن الصحف، ولم يعد ظهور مساحات بيضاء في الصحف اليومية يثير تساؤل الجمهور، فأصبح من المعروف أن مقص الرقيب يتدخل لحجب أي مواد قد تحرّض الجماهير على الثورة.

ووصل الأمر إلى أنه عندما قُبض على سعد زغلول ورفاقه، ظهر الخبر على استحياء في بعض الصحف، وظهرت بجوار الخبر مساحات بيضاء فُهم منها إنها احتوت رأيًا أو نقدًا لاعتقال الزعيم الشعبي وإبعاده مع صحبه إلى مالطا.

ومع غليان الشارع المصري، عمت المساحات البيضاء صفحات معظم الجرائد، حتى أن “البياض” فرض نفسه على الصفحة الأولى من جريدة “الأفكار” بعد أن حذف الرقيب مقال رئيس تحريرها سيد علي، وتكرر نفس الشيء مع صحيفة “الأهالي” التي أصر رئيس تحريرها عبد القادر حمزة على نقل ما يدور في الشارع ونشر مقالات لكبار الكتاب، وانتشر “البياض” في معظم صفحات “الأهالي” و”الأخبار” و”المنبر” و”مصر” و”وادي النيل”.

في المقابل، اكتفى عدد من الصحف الموالية للاحتلال بنشر البلاغات الصادرة من القيادة العسكرية والتي تصف المتظاهرين بالرعاع والغوغاء والمشاغبين، وتتهمهم بالتخريب وحرق عربات التروماي بمعاونة «عناصر مندسة».

احتجاجًا على حصار سلطات الاحتلال للصحافة، أعلنت صحيفتا “المنبر” و”الأفكار” الاحتجاب يوم 3 أبريل، واستمرت “المنبر” في احتجابها ثلاثة أيام متواصلة، وفي ذات اليوم نشرت “الأهرام” خبرًا جاء فيه: “إن جمهورًا كبيرًا من موظفي الحكومة في القاهرة انقطعوا عن العمل أمس ونذكر منهم موظفي وزارات الحربية والمعارف والزراعة وتضامنًا معهم تعلن الأهرام احتجابها غدًا لاتحاد عواطفها بعواطف الجمهور”.

وردًا على احتجاب بعض الصحف أصدرت سلطات الاحتلال العسكرية أمرًا بتعطيل صحيفتي “مصر” و”المنبر” وإغلاق مطبعتيهما، وطالبت بإقالة رئيسي تحرير الصحيفتين، فتقدم عبد الحميد حمدي باستقالته من رئاسة تحرير “المنبر”، واستقال ميخائيل بشارة من رئاسة تحرير جريدة “مصر”.

وفي 18 ديسمبر من ذات العام، أصدرت إدارة المطبوعات بيانًا للصحف تنذرها بالتعطيل إذا نشرت شيئًا يثير شعور العامة ضد الحكومة أو الإنجليز، فاجتمع أصحاب الصحف ورؤساء التحرير للاحتجاج على القرار وتصاعدت المناقشات خلال الاجتماع، إلا أن أيًا منهم لم يستطع نشر خبر في جريدته عما دار في الاجتماع.

بعد أحداث ثورة 1919 بعقو، نحوال الحافظ علي مواقفنا في كل الظروف على إبداء رأينا بأمانة واستقلال، وكنت أرى إنه إذا تعذرت الكتابة بسبب الرقابة امتنعت وكتبت في قضايا أخرى كالأدب والفن، ولجأت للكتابة في التاريخ واعتبرته مخرجًا للحديث عن حرية التعبير وحرية الرأي، ففي بلادنا يستطيع الكاتب أن يكتب في أي موضوع آخر.

رغم تغير الأنظمة المصرية وتعاقب السلطات من احتلال وسرايا إلى جمهورية ساداتية ومباركية وسيساوية، إلا أن “مانفستو” حجب ومنع ومصادرة الصحف لم يتغير، اختلفت الآليات بضع الشيء، لكن المنهج واحد، حُفظ في أحد أدراج إحدى الجهات وتتوارثه أجيال الرقباء، فبدلًا من طمس الأعمدة الصحفية التي يرى الرقيب إنها قد تضر بالأمن القومي أو تحرض الجمهور على التمرد و”تبييضها”، أصبح الرقيب يفرض على إدارات الصحف قائمة بالممنوعات بدءًا من الأحداث الطائفية التي تقع من حين إلى آخر، وصولًا إلى التعديلات الدستورية التي جرى تمريرها قبل أيام وفُرض على الصحافة عدم الاشتباك معها. ولو حدث ومررت جريدة مقال أو حوار أو حتى خبر لم تشمله قائمة الممنوعات يتوقف الإصدار عن الطبع لحين تغيير الصفحة واستبدال المحتوى المغضوب عليه بآخر لطيف وخفيف على قلب الرقيب الجديد.

خلال السنوات القليلة الماضية، تحولت الكتابة إلى عبء على أصحاب الأعمدة والزوايا في الصحف المختلفة، وبعد أن ضاقت المساحات وتم تشديد الحصار، توجه معظم كتاب الرأي إلى الكتابة في الشأن الخارجي أو استدعاء التاريخ بما لا يحمل أي إسقاط من أي نوع على سياسات وتوجهات النظام ومؤسساته، ووصل الأمر إلى أن بعض الزملاء كتبوا في «فوائد الفجل البلدي» والبعض الآخر توجه إلى الكتابة في الفن والرياضة والأدب رغم بعدها كل البعد عن مجال اهتماماتهم، يستثنى من ذلك بالطبع كتبة السلطة الذين دربوا أنفسهم على مديح كل الأنظمة التي عاصرها جيلنا من مبارك إلى السيسي مرورًا بمحمد مرسي.

من أجل ما سبق هجر الجمهور الصحافة المصرية، وحتى يشبع شغفه في معرفة ما يدور حوله اتجه إلى منصات الإعلام البديل “منشورات العصر الجديد” أو القنوات التي تبث من خارج مصر، ولا يملك الرقيب عليها سلطان.

وأدرك الجمهور بعد سنوات عجاف أنهم يحجبون عنه الحقيقة ويزوروا له الواقع، ويقدموا له وجبة فاسدة بلا خبر حقيقي ولا رأي مقنع أو تحليل منطقي، فقرر عقاب الإعلام أجمعه على طريقته.

عن كامل محمود

شاهد أيضاً

وزير المالية: استراتيجية متكاملة للتواصل الفعَّال مع المجتمع الضريبي والتوسع فى المنصات الإلكترونية لبناء الوعي الضريبي

كتب-سمية المصري وجه الدكتور محمد معيط وزير المالية، بوضع استراتيجية متكاملة جديدة للتواصل الفعَّال مع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.